مجموعة مؤلفين

511

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

والتقدير ، كانت معدومة ، وليس لها وجود خارج الذهن ، وبالنسبة إليه هي معدومة باطلة ؛ فكيف تحل الحقيقة في العدم أو تتحد به ؟ ! هذا مما لا يتصوره العقل فضلا عن النقل ؛ لأن الحلول والاتحاد لا يتصور ، ولا يمكن إلا بين شيئين حقيقين مستقلين بالوجود ، وقد ثبت بالعقل والنقل عدم وجود شيء مع الحق تعالى ، بل لها الثبوت فقط ؛ فلا حلول ولا اتحاد ، ولكونها ثابتة غير منفية صح خطاب اللّه تعالى لها بقوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] ، ولا يخاطب إلا ثابت ؛ فيكون المعنى إذا أردنا إبراز شيء ، وإظهاره من حضرة علمنا الثابت فيه الغير الموجود في الخارج أن نقول له : أبرز وأظهر ، فيبرز ويظهر بتجل الحق تعالى عليه بوجوده وبمده له بفيضه وجوده ، ويكون بقائه بقيومية الحق تعالى عليه وإمداده ؛ فهو كظل الشجرة بالنسبة لأصلها ، ولو ثبت له الوجود بالاستقلال لم تثبت له صفة الافتقار للحق تعالى ، وهي ذاتية له في كل لمحة ، وأقل من ذلك ، وبهذا المقدار - أعني : الثبوت المذكور - صحّ التكليف ، وتمّ التشريف ، ويأتي لهذا تمام على اللّه تعالى بلوغ المرام ؛ اللهم ألهمنا رشدنا ، وأعذنا من شرّ أنفسنا . ولنرجع إلى ما كنا فيه من بحث الوجود ؛ فنقول : « ثم إن هذا الوجود الحق يستره في أول مراتبه عن كل قيد وتعين ، فانتفى العلم به حينئذ لذلك ، وإنما دلّت رسله تعالى عليه والحالة هذه ، ولولا الرسل لم يعلم بحال في تلك المرتبة التي لها الإطلاق الحقيقي ؛ فلا اسم له هنا ولا رسم ، وهذا شأن الذات الأحدية ، قال تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] أشار بضمير الغيبة إلى الغيب المطلق الذي ينفي التعين والعلم ، وأنه هو اللّه أحد ثم أن التعين والمعرفة كأنا له تعالى باعتبار واحديته ، وهي الحضرة المقيدة المذكورة سابقا ، وعند تجلياته بصورها الأسمائية والصفاتية التي لا تتناها .